السيدة زينب... لمن لا يعرف قصتها الحزينة
مختصر ومقتبس من مجلد (سيدات بيت النبوة) للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) المكون من ألف وثمان وأربعون صفحة 1048.. كتاب يجمع بين القصة والأدب الرفيع والمنهجية الفائقة فى السرد والبيان..
الجدير بالذكر أن الإخوان والسلفية قاموا بجمع هذا الكتاب من كل مكتبات مصر وإخفاءه.. حاولت الحصول عليه وقيل لى حاول مع مكتبة مدبولى, سألت أصحاب المكتبة ما هو السبب فى إختفاءه؟؟ ولم أجد أجابة ومال على أحدهم يهمس فى أذنى إنتظر لحظة!! بعد خروج الزبائن أصطحبنى مع الى مبنى مجاور ونزلنا لاى البدروم أخرج الكتاب ودفعت ثمنه وقالى لى أياك أن تفتحه هنا وحتى تصل منزلك وكأننى أحمل مخدرات!!.. هذا ليس تجنياً على الإخوان والسلفية لكنها حقيقة مؤكدة لا تقبل الشك وقد حدث مع كتب ومؤلفات أدباء وعلماء.. لا أفهم ما هو السبب؟؟ رغم أنى قتلت الكتاب بحثاً ولى تعقيب وتخطيط على كل صفحة ولم أجد أى سبب فى جمعهم للكتاب والتخلص منه.. ربما التخلف العميق والمتجذر فى أحفاد أحمد إبن تيمية ومحمد إبن عبد الوهاب.
موكب الأسرى فى فاجعة السيدة زينب
عادوا الى الكوفة يحملون سبعين رئساً هم الحسين وأهله وأقرباءه... ذهب حامل رأس الحسين فوضع الرأس فى مكان ودخل فراشه فقال لأمرأته.. جئتك بغنى الدهر!! هذا رأس الحسين معك فى الدار!!.. فصاحت المرأة مرتاعة: ويلك!! جاء الناس بالذهب والفضة, وجئت برأس إبن بنت رسول الله وآله؟؟ والله لا يجمعنى وإياك بيت أبداً, وإطلقت من الدار تعدو فى ذعر..
موكب الأسرى والسبايا كان أبشع موكب شهده التاريخ منذ كان فيهم صبيان للحسن بن على, إستصغرا فتركا بلا ذبح وأخ ثالث أرتث من الجراح فحمل مع الركب, وغرم مريض ما تبقى من أبناء الحسين أنقذته عمته زينب بشق الأنفس فكان كل ما تبقى من سلالة شهيدها الغالى..
مع زينب وأختها فاطمة وسكينة بنت الحسين وبقية نساء بنى هاشم سيقت سبايا أسيرات.. سار الركب بساحة المعركة حيث الأشلاء مبعثرة فى الدماء.. فصاحت زينب:.. يامحمداه صلى عليك ملائكة السماء, هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء مقطع الأعضاء, يا محمداه, هذه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الدماء.. فأجهشت النسوة بالنواح وبكى كل صديق وعدو..
دخل الموكب الى الكوفة ووقفت الجموع محتشدة تشهد نساء البيت النبوى ممزقات الجيوب فى طريقهن الى عبيد الله بن زياد, فبكى الكثيرون على الكريمات المستذلات..
لمتطق زينب أن ترى أهل الكوفة يبكون الحسين وآله وهم ضحاياهم, ويرثون بنات الرسول وما أنتهك حرمتهم سواهم!!.. فقالت لهم أسكتوا فطأطأوا رؤسهم خزياً وندماً, فقالت إنما مثلكم مثل التى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا, تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تروون, ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم؟؟ أن سخط الله عليكم وفى العذاب أنتم خالدون.. أتدرون أى كبد فريتم وأى دم سفكتم وأى كريمة أبرزتم؟؟ لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
مضت حتى بلغت دار الإمارة, أنها تعرف كل قطعة فى هذى الدار, فلقد كانت دارها أيام كان أبوها على أمير المؤمنين ملء الدنيا والحياة..
دخلت الساحة الكبرى للدار وترنحت الدموع فى مقلتيها لكنها أبت عليها أن تذل ورأت عبيد الله بن زياد جالساً حيث تعود أبوها أن يجلس ستقبل الوفود ويجتمع بالرسل والأمراء والولاة..
أنها تدخله اليوم أسيرة يتيمة ثكلى, وقد فقدت أباها وولدها وشقيقيها.. كتمت أشجانها ودموعها فقد كرهت أن تلقى الطاغية ذليلة باكية..
لم تكن قط كما هى اليوم, بحاجة الى أن تلوذ بكل كبريائها وقوتها وعزة بيتها وشف آلها وعراقة محتدها حفيدة الرسول وعقيلة بنى هاشم..
سألها الطاغية ثلاث مرات, من أنت فلم تجب إحتقاراً له, وأجابت إحدى امائها.. هذه زينب أبنة فاطمة..
قال لها إبن زياد.. الحمد الله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم..
فردت عليه زينب بإحتقار.. والحمد الله الذى أكرمنا بنبيه وآله وطهرنا من الرجس تطهيراً, إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد الله..
لقد قتلت كهلى وأبرت أهلى وقطعت فرعى وإجتثثت أصلى, فإن يشفك هذا فقد أشتفيت..
قال ساخراً فى غيظ, لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً..
قالت فى صرامة, ما للمرأة والسجاعة؟؟ إن لى عن السجاعة لشغلاً..
عاد يتأمل الوجوه فسأل على الأصغر ما أسمك؟ قال على إبن الحسين, وقد كان لى أخ يقال له أيضاً على, فقتله الناس.. رد إبن زياد إن الله قتله.. فقال الفتى.. الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله.. صاح الطاغية أنت والله منهم والله أنى لأحسبه رجلاً وأمر رجاله بقتله!!..
أعتنقته عمته زينب وهى تقول, يا إبن زياد, حسبك منا, أما رويت من دمئنا؟ وهل أبقيت منا أحداً؟ وقالت دع الغلام أو أقتلنى.. فتأملها إبن زياد برهة, ثم قال دعوا الغلام ينطلق مع نسائه.. وأمر إبن زياد برأس الحسين أن يطيف به فى الكوفة محمولاً على خشبة..
وسيق الموكب مرة أخرى الى دمشق.. راس الحسين ورؤوس السبعين من آله وصحبه والأسرى من الصبية فى الأغلال والسبايا من نساء البيت الكريم فى حرسة رجال إبن زياد..
طوال الطريق لم يتكلم على إبن الحسين ولا عمته زينب, كانت المحنة الفادحة قد ألجمت لسانيهما, فإنطوى إبن الحسين يحدق فى الأغلال, وراحت زينب ترمق رؤوس الشهداء من آلها واجمة صامتة, حتى بلغوا دمشق.. سيقوا الى حضرة يزيد إبن معاوية وقد دعى أشراف أهل الشام حوله, وصراخ النادبات تملأ الفضاء..
وضعت رأس الحسين بين يديه, ثم أمر بإدخال الأسرى والسبايا وجعل أهل المجلس الى بنات البيت الهاشمى وقد كن حتى أمس قريب, عزيزات مصونات..
ثم كان المشهد الرهيب.. كشف يزيد عن رأس الحسين وأخذ يعبث بعصا فى يده بثنايا رأس الحسين, فبكت نساء هاشم إلا زينب وقد إنتفضت تصيح صدق الله يا يزيد (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانو بها يستهزئون)..
دخلت زينب فى سجال قمة البلاغة مع الطاغية معاوية ويزيد.. فصاحت أمن العدل يا إبن الطلقاء سوقك لبنات رسول الله وآله كالأسارى قد هتكت ستورهن وتحدو بهن الأعادى من بلد الى بلد يتشوفهن القريب والبعيد.. يوم يجمع الله شملهم من الشعث (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً, بل أحياء عند ربهم يرزقون).. وستعلم أنت ومن بوأك ومكنك من رقاب المؤمنين.. إذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا, وجوارحك شاهدة عليك أينا شر مكاناً وأضعف جنداً حتى لا تجد إلا ما قدمت يداك وقد وجدت أفضل زاد تزودت به وهو قتل ذرية محمد وآله..
ضاق يزيد بمرأى زينب وهزه ما سمع منها, فأمر بخروج النساء وفك غلال على إبن الحسين, فجاء جواب الغلام (ما أصاب من مصيبة فى الأرض وما فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير, لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).. وكان نواح وبكاء النسوة يسمع من بعي, فلم يقتصر فقط على بنات بنى هاشم, بل بكت كل نساء بنى أمية وتنوح على الحسين.. ودعى يزيد علياً وقال له مودعاً (لعن اله إبن مرجنة.. يعنى إبن زياد) وسأله أن يكتب أليه كلما عنت له حاجة, ثم إنسل وصوت زينب يطارده فى قسوة وإلحاح!!.
وعادوا بصحبة حارس الى المدينة وعندما أشرفوا على المدينة كانت الفاجعة!! أين الحسين وأين الأعمام والأخوة وبنو الأعمام أين بنى الزهراء وآل عبد المطلب؟؟؟؟ وبلغ الخبر كل مكان خافتاً ممزقاً بين الصراخ والعويل والبكاء والجموع تشاهد أهل الركب الحزين فى أفجع مشهد, بعدما حصدهم منجل الموت حصداً فلم يترك سوى هذه البقية التعسة من الصبية اليتامى والنسوة الثواكل!!.. وشهدت المدينة النواح الفاجع ودموع البواكى..
كان وجود السيدة زينب فى المدينة كافياَ لأن يلهب الحزن على الشهداء ويؤلب الناس على الطغاة وقد عزمت على الأخذ بثأر الحسين, فأمر يزيد أن يفرق الباقية الباقية من آل البيت فى الأقطار وطلب الوالى من السيدة زينب أن تخرج من المدينة فتقيم حيث تشاء, فصاحت غاضبة.. قتل خيرنا وسيق الباقون كما تساق الأنعام فلن نخرج وأن أريقت دمائنا.. لكن نساء هاشم أشفقن عليها وطالبن منها الرحيل الى بلد آمن وسيخذى الله الظالمين..
طلبت الرحيل الى (مصر) ومعها رفيقات السفر من الهاشميات وقد أوغر الجرح فى قلبها عميقاً غائراً مميتاً..
وطأت أرض النيل متجهة الى عاصمة الوادى الأمين, فإذا جموع الناس إحتشدت لإستقبالها وساروا حتى بلغوا قرية قرب بلبيس..
خرج أمير مصر مسلمة بن مخلد الأنصارى مع وفد من أعيان البلاد وعلمائها, خرجوا للقاء بنت الزهراء وأخت الإمام الشهيد فأجهشت الجموع بالبكاء حفوا بركبها حتى بلغت العاصمة وأقامت بدار مسلمة الأنصارى قرابة عام ونصف عابدة متبتلة, ثم كانت نهاية المطاف توفت السيدة زينب فى دار مسلمة ومهدت لها الأرض الطيبة مرقداً حيث إختارت أن يكون مرقدها الأخير.. وظل قبرها مزاراً يفد أليه المسلمون من كل بقاع العالم, وبقيت قصة آلامها المثيرة حديث الأعوام والأجيال.
بقلم : عادل جارحي ( كاتب مصري )
مختصر ومقتبس من مجلد (سيدات بيت النبوة) للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) المكون من ألف وثمان وأربعون صفحة 1048.. كتاب يجمع بين القصة والأدب الرفيع والمنهجية الفائقة فى السرد والبيان..
الجدير بالذكر أن الإخوان والسلفية قاموا بجمع هذا الكتاب من كل مكتبات مصر وإخفاءه.. حاولت الحصول عليه وقيل لى حاول مع مكتبة مدبولى, سألت أصحاب المكتبة ما هو السبب فى إختفاءه؟؟ ولم أجد أجابة ومال على أحدهم يهمس فى أذنى إنتظر لحظة!! بعد خروج الزبائن أصطحبنى مع الى مبنى مجاور ونزلنا لاى البدروم أخرج الكتاب ودفعت ثمنه وقالى لى أياك أن تفتحه هنا وحتى تصل منزلك وكأننى أحمل مخدرات!!.. هذا ليس تجنياً على الإخوان والسلفية لكنها حقيقة مؤكدة لا تقبل الشك وقد حدث مع كتب ومؤلفات أدباء وعلماء.. لا أفهم ما هو السبب؟؟ رغم أنى قتلت الكتاب بحثاً ولى تعقيب وتخطيط على كل صفحة ولم أجد أى سبب فى جمعهم للكتاب والتخلص منه.. ربما التخلف العميق والمتجذر فى أحفاد أحمد إبن تيمية ومحمد إبن عبد الوهاب.
موكب الأسرى فى فاجعة السيدة زينب
عادوا الى الكوفة يحملون سبعين رئساً هم الحسين وأهله وأقرباءه... ذهب حامل رأس الحسين فوضع الرأس فى مكان ودخل فراشه فقال لأمرأته.. جئتك بغنى الدهر!! هذا رأس الحسين معك فى الدار!!.. فصاحت المرأة مرتاعة: ويلك!! جاء الناس بالذهب والفضة, وجئت برأس إبن بنت رسول الله وآله؟؟ والله لا يجمعنى وإياك بيت أبداً, وإطلقت من الدار تعدو فى ذعر..
موكب الأسرى والسبايا كان أبشع موكب شهده التاريخ منذ كان فيهم صبيان للحسن بن على, إستصغرا فتركا بلا ذبح وأخ ثالث أرتث من الجراح فحمل مع الركب, وغرم مريض ما تبقى من أبناء الحسين أنقذته عمته زينب بشق الأنفس فكان كل ما تبقى من سلالة شهيدها الغالى..
مع زينب وأختها فاطمة وسكينة بنت الحسين وبقية نساء بنى هاشم سيقت سبايا أسيرات.. سار الركب بساحة المعركة حيث الأشلاء مبعثرة فى الدماء.. فصاحت زينب:.. يامحمداه صلى عليك ملائكة السماء, هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء مقطع الأعضاء, يا محمداه, هذه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الدماء.. فأجهشت النسوة بالنواح وبكى كل صديق وعدو..
دخل الموكب الى الكوفة ووقفت الجموع محتشدة تشهد نساء البيت النبوى ممزقات الجيوب فى طريقهن الى عبيد الله بن زياد, فبكى الكثيرون على الكريمات المستذلات..
لمتطق زينب أن ترى أهل الكوفة يبكون الحسين وآله وهم ضحاياهم, ويرثون بنات الرسول وما أنتهك حرمتهم سواهم!!.. فقالت لهم أسكتوا فطأطأوا رؤسهم خزياً وندماً, فقالت إنما مثلكم مثل التى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا, تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تروون, ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم؟؟ أن سخط الله عليكم وفى العذاب أنتم خالدون.. أتدرون أى كبد فريتم وأى دم سفكتم وأى كريمة أبرزتم؟؟ لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
مضت حتى بلغت دار الإمارة, أنها تعرف كل قطعة فى هذى الدار, فلقد كانت دارها أيام كان أبوها على أمير المؤمنين ملء الدنيا والحياة..
دخلت الساحة الكبرى للدار وترنحت الدموع فى مقلتيها لكنها أبت عليها أن تذل ورأت عبيد الله بن زياد جالساً حيث تعود أبوها أن يجلس ستقبل الوفود ويجتمع بالرسل والأمراء والولاة..
أنها تدخله اليوم أسيرة يتيمة ثكلى, وقد فقدت أباها وولدها وشقيقيها.. كتمت أشجانها ودموعها فقد كرهت أن تلقى الطاغية ذليلة باكية..
لم تكن قط كما هى اليوم, بحاجة الى أن تلوذ بكل كبريائها وقوتها وعزة بيتها وشف آلها وعراقة محتدها حفيدة الرسول وعقيلة بنى هاشم..
سألها الطاغية ثلاث مرات, من أنت فلم تجب إحتقاراً له, وأجابت إحدى امائها.. هذه زينب أبنة فاطمة..
قال لها إبن زياد.. الحمد الله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم..
فردت عليه زينب بإحتقار.. والحمد الله الذى أكرمنا بنبيه وآله وطهرنا من الرجس تطهيراً, إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد الله..
لقد قتلت كهلى وأبرت أهلى وقطعت فرعى وإجتثثت أصلى, فإن يشفك هذا فقد أشتفيت..
قال ساخراً فى غيظ, لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً..
قالت فى صرامة, ما للمرأة والسجاعة؟؟ إن لى عن السجاعة لشغلاً..
عاد يتأمل الوجوه فسأل على الأصغر ما أسمك؟ قال على إبن الحسين, وقد كان لى أخ يقال له أيضاً على, فقتله الناس.. رد إبن زياد إن الله قتله.. فقال الفتى.. الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله.. صاح الطاغية أنت والله منهم والله أنى لأحسبه رجلاً وأمر رجاله بقتله!!..
أعتنقته عمته زينب وهى تقول, يا إبن زياد, حسبك منا, أما رويت من دمئنا؟ وهل أبقيت منا أحداً؟ وقالت دع الغلام أو أقتلنى.. فتأملها إبن زياد برهة, ثم قال دعوا الغلام ينطلق مع نسائه.. وأمر إبن زياد برأس الحسين أن يطيف به فى الكوفة محمولاً على خشبة..
وسيق الموكب مرة أخرى الى دمشق.. راس الحسين ورؤوس السبعين من آله وصحبه والأسرى من الصبية فى الأغلال والسبايا من نساء البيت الكريم فى حرسة رجال إبن زياد..
طوال الطريق لم يتكلم على إبن الحسين ولا عمته زينب, كانت المحنة الفادحة قد ألجمت لسانيهما, فإنطوى إبن الحسين يحدق فى الأغلال, وراحت زينب ترمق رؤوس الشهداء من آلها واجمة صامتة, حتى بلغوا دمشق.. سيقوا الى حضرة يزيد إبن معاوية وقد دعى أشراف أهل الشام حوله, وصراخ النادبات تملأ الفضاء..
وضعت رأس الحسين بين يديه, ثم أمر بإدخال الأسرى والسبايا وجعل أهل المجلس الى بنات البيت الهاشمى وقد كن حتى أمس قريب, عزيزات مصونات..
ثم كان المشهد الرهيب.. كشف يزيد عن رأس الحسين وأخذ يعبث بعصا فى يده بثنايا رأس الحسين, فبكت نساء هاشم إلا زينب وقد إنتفضت تصيح صدق الله يا يزيد (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانو بها يستهزئون)..
دخلت زينب فى سجال قمة البلاغة مع الطاغية معاوية ويزيد.. فصاحت أمن العدل يا إبن الطلقاء سوقك لبنات رسول الله وآله كالأسارى قد هتكت ستورهن وتحدو بهن الأعادى من بلد الى بلد يتشوفهن القريب والبعيد.. يوم يجمع الله شملهم من الشعث (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً, بل أحياء عند ربهم يرزقون).. وستعلم أنت ومن بوأك ومكنك من رقاب المؤمنين.. إذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا, وجوارحك شاهدة عليك أينا شر مكاناً وأضعف جنداً حتى لا تجد إلا ما قدمت يداك وقد وجدت أفضل زاد تزودت به وهو قتل ذرية محمد وآله..
ضاق يزيد بمرأى زينب وهزه ما سمع منها, فأمر بخروج النساء وفك غلال على إبن الحسين, فجاء جواب الغلام (ما أصاب من مصيبة فى الأرض وما فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير, لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).. وكان نواح وبكاء النسوة يسمع من بعي, فلم يقتصر فقط على بنات بنى هاشم, بل بكت كل نساء بنى أمية وتنوح على الحسين.. ودعى يزيد علياً وقال له مودعاً (لعن اله إبن مرجنة.. يعنى إبن زياد) وسأله أن يكتب أليه كلما عنت له حاجة, ثم إنسل وصوت زينب يطارده فى قسوة وإلحاح!!.
وعادوا بصحبة حارس الى المدينة وعندما أشرفوا على المدينة كانت الفاجعة!! أين الحسين وأين الأعمام والأخوة وبنو الأعمام أين بنى الزهراء وآل عبد المطلب؟؟؟؟ وبلغ الخبر كل مكان خافتاً ممزقاً بين الصراخ والعويل والبكاء والجموع تشاهد أهل الركب الحزين فى أفجع مشهد, بعدما حصدهم منجل الموت حصداً فلم يترك سوى هذه البقية التعسة من الصبية اليتامى والنسوة الثواكل!!.. وشهدت المدينة النواح الفاجع ودموع البواكى..
كان وجود السيدة زينب فى المدينة كافياَ لأن يلهب الحزن على الشهداء ويؤلب الناس على الطغاة وقد عزمت على الأخذ بثأر الحسين, فأمر يزيد أن يفرق الباقية الباقية من آل البيت فى الأقطار وطلب الوالى من السيدة زينب أن تخرج من المدينة فتقيم حيث تشاء, فصاحت غاضبة.. قتل خيرنا وسيق الباقون كما تساق الأنعام فلن نخرج وأن أريقت دمائنا.. لكن نساء هاشم أشفقن عليها وطالبن منها الرحيل الى بلد آمن وسيخذى الله الظالمين..
طلبت الرحيل الى (مصر) ومعها رفيقات السفر من الهاشميات وقد أوغر الجرح فى قلبها عميقاً غائراً مميتاً..
وطأت أرض النيل متجهة الى عاصمة الوادى الأمين, فإذا جموع الناس إحتشدت لإستقبالها وساروا حتى بلغوا قرية قرب بلبيس..
خرج أمير مصر مسلمة بن مخلد الأنصارى مع وفد من أعيان البلاد وعلمائها, خرجوا للقاء بنت الزهراء وأخت الإمام الشهيد فأجهشت الجموع بالبكاء حفوا بركبها حتى بلغت العاصمة وأقامت بدار مسلمة الأنصارى قرابة عام ونصف عابدة متبتلة, ثم كانت نهاية المطاف توفت السيدة زينب فى دار مسلمة ومهدت لها الأرض الطيبة مرقداً حيث إختارت أن يكون مرقدها الأخير.. وظل قبرها مزاراً يفد أليه المسلمون من كل بقاع العالم, وبقيت قصة آلامها المثيرة حديث الأعوام والأجيال.
بقلم : عادل جارحي ( كاتب مصري )
via مدونة لكل الجزائريين و العرب http://ift.tt/1iVfs7H
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire